من أين جاء أكسجين الغلاف الجوي؟
لم يكن موجودًا في البدء. فغلاف الأرض الفتية كان من نيتروجين وثاني أكسيد كربون وميثان وبخار ماء، بلا أكسجين حر يُذكر.
وقبل نحو 2700 مليون سنة طوّرت بكتيريا زرقاء بعينها التمثيل الضوئي المنتج للأكسجين: استعمال طاقة الضوء لانتزاع إلكترونات من الماء، مع إطلاق الأكسجين كفضلة. وكان ذلك ابتكارًا أيضيًّا بعواقب كوكبية.
وطوال مئات ملايين السنين لم يتراكم ذلك الأكسجين. فالمحيط كان يحوي حديدًا حديدوزيًّا مذابًا يتفاعل معه مرسّبًا أكاسيد. والنتيجة تكوينات الحديد المخطط، وهي طبقات متناوبة من الأحمر والرمادي ترسّبت بين 2500 و1800 مليون سنة مضت، وتشكّل اليوم معظم خام الحديد الذي نستخرجه.
ولمّا نفد الحديد المذاب بدأ الأكسجين بالتراكم في الغلاف الجوي. ويُعرف ذلك الحدث، نحو 2400 مليون سنة، بحدث الأكسدة الكبرى.
⚠️ وقد كان كارثة على الحياة القائمة. فالأكسجين مؤكسد قوي يدمّر الآلة الكيميائية الحيوية للكائنات اللاهوائية. فانقرض معظمها أو انزوى في بيئات خالية من الأكسجين، حيث لا تزال ذريتها تعيش. وكان ذلك على الأرجح أكبر انقراض في تاريخ الحياة.
لماذا يلتصق الأكسجين السائل بمغناطيس؟
لأن للجزيء O₂ إلكترونين غير مزدوجين، وهو ما لا تتنبأ به بنية لويس المعتادة.
فإن رُسم على هيئة O=O كانت كل إلكتروناته مزدوجة وكان ديامغناطيسيًّا. والتجربة تقول العكس: فتيار من الأكسجين السائل يُصبّ بين قطبي مغناطيس كهربائي يبقى معلّقًا.
وتفسّر نظرية المدارات الجزيئية ذلك. فعند تركيب المدارات الذرية لأكسجينين يشغل الإلكترونان الأخيران مدارَي π مضادَّي الرابطة متساويي الطاقة. ووفق قاعدة هوند يستقر كل منهما في مدار وبلفّ مواز، بدل أن يزدوجا في واحد.
والنتيجة جزيء بلفّ كلي يساوي 1: حالة ثلاثية. وقد جعل هذا الأكسجين الحجة الحاسمة لصالح نظرية المدارات الجزيئية أمام نظرية رابطة التكافؤ، في الثلاثينيات.
واللون الأزرق الباهت للأكسجين السائل نابع من الخاصة نفسها. فجزيئان متجاوران يمتصان معًا فوتونًا في المنطقة الحمراء من الطيف، وهو انتقال محظور في جزيء منفرد ولا يصير ملحوظًا إلا حين تتلاصق الجزيئات.
ولهذه البنية الثلاثية عاقبة حيوية أيضًا: فهي تجعل الأكسجين يتفاعل مع المادة العضوية أبطأ مما يسمح به الترموديناميك. ولولا ذلك الحاجز الحركي لاحترقت الكائنات الحية.
ماذا يعني أن الكتلة الذرية مجال؟
للأكسجين ثلاثة نظائر مستقرة: الأكسجين 16 بنسبة 99.76 %، والأكسجين 17، والأكسجين 18. وتتباين النسبة بحسب مصدر العينة بما يكفي لتنشر IUPAC مجالًا بدل قيمة.
ويأتي التباين من التجزئة أثناء دورة الماء. فالماء ذو الأكسجين 16 يتبخر أسهل قليلًا من الحاوي على الأكسجين 18، لأنه أخفّ. فيكون البخار الخارج من المحيط مستنفدًا من النظير الثقيل، ويكون المطر الساقط من ذلك البخار أشد استنفادًا.
ويتراكم الأثر مع المسافة ومع البرودة. فجليد غرينلاند والقارة القطبية الجنوبية نسبته من الأكسجين 18 أدنى بكثير من ماء المحيط، وتلك النسبة تتوقف على الحرارة التي تكوّن عندها الثلج.
ومن هنا واحد من أهم أساليب علم المناخ القديم: حفر الجليد، وقياس نسبة الأكسجين 18 إلى الأكسجين 16 طبقةً طبقة، وإعادة بناء حرارة مئات آلاف السنين الأخيرة.
والمبدأ نفسه يسري على أصداف المنخربات في الرواسب البحرية، التي تسجّل حجم الجليد العالمي.
كيف يُستحصل صناعيًّا؟
بالتقطير التجزيئي للهواء المسال، وهي العملية نفسها التي تفصل النيتروجين والغازات النبيلة.
يُضغط الهواء ويُبرَّد ويُمدَّد مرارًا حتى يسيل قرب 80 كلفن. ثم يُترك ليتبخر في عمود: فيخرج النيتروجين أولًا، وهو يغلي عند 77.36 كلفن؛ ويبقى الأكسجين، عند 90.19 كلفن. والفارق ثلاث عشرة درجة يكفي لفصل نظيف.
وتنتج الصناعة العالمية مئات ملايين الأطنان سنويًّا. والمستهلك الأكبر ليس الطب بل صناعة الصلب: فعملية المحوّل القاعدي بالأكسجين تنفخ أكسجينًا نقيًّا فوق الحديد الغُفل المنصهر لحرق فائض الكربون وتحويله إلى فولاذ.
وفي الطب يُستعمل بتراكيز مضبوطة. فالمريض بقصور تنفسي يتلقى هواءً مغنى، لا أكسجينًا نقيًّا، إلا في حالات بعينها ولوقت محدود.
وللتطبيقات الصغيرة ثمة مكثّفات تفصل النيتروجين من الهواء بمناخل جزيئية من الزيوليت بدل إسالته. وتنتج أكسجينًا بنسبة 90-95 % ولا تحتاج إلى إمداد خارجي.
لماذا هو أوفر عناصر القشرة؟
لأنه يتحد بكل شيء تقريبًا والنواتج صلبة لا تذهب إلى مكان.
يمثّل الأكسجين نحو 46 % من القشرة الأرضية كتلةً وقرابة 90 % حجمًا، إذ إن أيون الأكسيد ضخم وتشغل الكاتيونات الفلزية الفجوات بينه. فالقشرة، بنيويًّا، رصّ لأيونات أكسيد.
والسيليكات هي المجموعة المعدنية المهيمنة وكلها تحوي أكسجينًا مرتبطًا بالسيليكون في رباعيات SiO₄. ويُضاف إليها الأكاسيد والكربونات والكبريتات.
وفي جسم الإنسان الأكسجين أيضًا أوفر العناصر كتلةً، نحو 65 %، وكله تقريبًا في صورة ماء.
ووفرته الكونية هي الثالثة، بعد الهيدروجين والهيليوم. ويُخلَّق في باطن النجوم الضخمة باندماج الكربون والهيليوم، وينتشر في المستعرات العظمى. وكونه بهذه الشيوع وبهذا النشاط يفسّر لماذا تدور كيمياء الكون الصلب كله تقريبًا حوله.