لماذا تحمي الجلفنة أفضل من الطلاء؟
الطلاء يعمل حاجزًا: فما دام يغطي فهو يعزل الفولاذ عن الماء والأكسجين. وإن خُدش صدئ الفولاذ المكشوف في تلك النقطة بالضبط، وامتد الصدأ تحت الغشاء فرفعه.
والزنك يفعل شيئًا مختلفًا. فجهد قطبه المعياري −0.76 فولت مقابل −0.44 فولت للحديد، ما يعني أنه يتأكسد أسهل.
وحين توجد رطوبة ويكون الفلزان على تماس كهربائي تتكوّن خلية. فيعمل الزنك مصعدًا ويذوب؛ ويعمل الحديد مهبطًا فيبقى محميًّا، ولو كان مكشوفًا.
ومن هنا اسم المصعد الذبيح. فالطلاء لا يحمي بالتغطية فحسب، بل بالتآكل بدل الفولاذ. فخدش في الجلفنة لا يتقدم: إذ يظل الزنك المحيط يحمي الحديد المكشوف.
ويطوّر الزنك أيضًا زنجاره الخاص من كربونات قاعدية يبطئ استهلاكه. فجلفنة بالغمس الساخن بسمك نحو 85 ميكرومترًا تدوم عقودًا في بيئة ريفية وأقلّ بكثير في جو صناعي أو بحري.
والمبدأ نفسه يسري على المصاعد الذبيحة في هياكل السفن وسخانات الماء، وهي قضبان زنك أو مغنسيوم يجب استبدالها دوريًّا.
لماذا كيمياؤه رتيبة إلى هذا الحد مقارنةً بالنحاس؟
توزيع الزنك [Ar] 3d¹⁰ 4s². فالغلاف d ممتلئ.
والفلزات الانتقالية تدين بكيميائها المميزة إلى مدارات d المملوءة جزئيًّا: حالات أكسدة متعددة، ومركّبات ملونة، وخصائص مغناطيسية، وتكوين معقّدات بهندسات متنوعة.
وفي الزنك تلك المدارات ممتلئة ومستقرة أكثر من أن تشارك. فلا يُفقد إلا إلكترونا 4s، ودائمًا كلاهما. فالزنك هو Zn²⁺ في مركّباته كلها، دون استثناء عملي.
والعواقب مرئية. فمركّباته عديمة اللون، لأن اللون في فلز انتقالي ينشأ من انتقالات بين مدارات d مملوءة جزئيًّا، ولا ثقوب هنا. وهو غير مغناطيسي، للسبب نفسه. ولا يُظهر التنوع الأكسدي-الاختزالي للحديد أو المنغنيز.
⚠️ وتلك البساطة موضع جدل اصطلاحي. فـIUPAC تعرّف الفلز الانتقالي بأنه ذو غلاف d غير مكتمل في إحدى حالاته، والزنك لا يستوفي ذلك. فتُدرجه نصوص كثيرة لموقعه في كتلة d، ويعامله غيرها على حدة مع الكادميوم والزئبق.
وذلك الاستقرار نفسه لـZn²⁺ هو ما يجعله مفيدًا في علم الأحياء: فأيون لا يغيّر حالة أكسدته لا يولّد جذورًا حرة، خلافًا للحديد أو النحاس.
ماذا يفعل في الجسم؟
هو ثاني أوفر العناصر المغذية الدقيقة الفلزية بعد الحديد، بنحو 2 إلى 3 غرامات في البالغ، ويشارك في أكثر من ثلاثمئة إنزيم.
ودوره من نوعين.
فبوصفه حفّازًا يستقطب Zn²⁺ جزيئات الماء أو الركيزة ويسهّل التفاعل. فإنزيم الأنهيدراز الكربوني، الذي يحوّل ثاني أكسيد الكربون إلى بيكربونات بسرعة مذهلة، يحوي زنكًا في مركزه النشط؛ ولولاه لما استطاع الدم نقل CO₂ الذي ينتجه الأيض.
وبوصفه عنصرًا بنيويًّا يُبقي البروتينات مطوية. فأصابع الزنك نطاقات صغيرة ينسّق فيها أيون أربع بقايا ويثبّت هندسة قادرة على التعرف على متتاليات بعينها من الحمض النووي. وهي من أشيع الأنماط في عوامل النسخ، وقد فتح اكتشافها الطريق إلى أولى أدوات التعديل الجيني الموجّه.
ويسبب نقص الزنك تأخرًا في النمو، واضطرابات جلدية، وفقدانًا لحاسة الذوق، وتدهورًا مناعيًّا. وهو مشكلة صحة عامة في المناطق التي يقوم غذاؤها على الحبوب، إذ يعوق الفيتات فيها الامتصاص.
كيف يُستعمل في البطاريات؟
كان الزنك مصعد أول بطارية ولا يزال كذلك في أشيعها.
فالعمود الفولطي لعام 1800 كان يناوب أقراص زنك ونحاس يفصلها ورق مقوّى مغموس في محلول ملحي. فيتأكسد الزنك، وتسري الإلكترونات في الدارة الخارجية، ويُختزل النحاس. وكان ذلك أول مصدر متصل للتيار الكهربائي وقد أنشأ علم الكهركيمياء.
والبطارية الجافة زنك-كربون، التي سجّلها لوكلانشيه براءةً وحُسّنت بعدها، كانت تستعمل وعاء زنك مصعدًا وقضيب كربون محاطًا بثاني أكسيد المنغنيز مهبطًا. وقد أنارت المصابيح اليدوية وشغّلت المذياع قرنًا كاملًا.
والبطارية القلوية الحديثة تستعمل مسحوق زنك وثاني أكسيد منغنيز في هيدروكسيد بوتاسيوم، وهو ما يزيد سطح التفاعل والسعة.
وبطاريات الأزرار للمعينات السمعية من نوع زنك-هواء: مصعدها زنك ومهبطها أكسجين المحيط الداخل من ثقب. ولمّا كان المهبط لا يشغل حجمًا كانت كثافة الطاقة عالية جدًّا؛ ولهذا تأتي بملصق يجب نزعه لتشغيلها.
من أين يُستخرج وفيمَ يُستعمل أيضًا؟
المعدن الرئيسي هو السفاليريت، وهو كبريتيد زنك. يُحمَّص لتحويله إلى أكسيد ثم يُختزل، أو يُرشَّح بحمض الكبريتيك ويُستعاد بالتحليل الكهربائي، وهو الطريق المهيمن اليوم.
وتتصدر الصين وبيرو وأستراليا الإنتاج. ويرافق الزنك كثيرًا الرصاص والفضة في المكامن نفسها، وتُستغل معًا عادةً.
ونحو نصف الزنك يذهب إلى الجلفنة. ويتوزع الباقي على السبائك والصبّ بالضغط والمركّبات.
والنحاس الأصفر، وهو نحاس مع زنك بين 5 و40 %، أقدم السبائك التي تستعمله. والمدهش أنه كان يُصنع قبل معرفة الزنك الفلزي: إذ كان النحاس يُسخَّن مع الكلامين والفحم، فيدخل الزنك المختزل في النحاس دون أن يُعزل قط.
وأكسيد الزنك يُستعمل في كريمات الحماية من الشمس، حيث يعكس الأشعة فوق البنفسجية ويشتتها، وفي مراهم الجلد، ومضافًا في فلكنة المطاط، حيث يسرّع تكوين جسور الكبريت.