نويدتان في صفحة واحدة
التكنيشيوم 99m والتكنيشيوم 99 هما 43 بروتونًا و56 نيوترونًا نفسها. والحرف m يعني شبه مستقر: فالنواة تحتفظ بطاقة زائدة وتطلقها شعاع غاما، فتصير تكنيشيوم 99 عاديًّا دون أن تغيّر العنصر.
⚠️ والنظير الطبي هو 99m، وليست له صفحة خاصة هنا لأن عمر نصفه البالغ ست ساعات يقع دون العتبة المعتمدة لتحديد أي النويدات تنال صفحة. أما ما يتحول إليه فله صفحة. فيُعالَجان معًا — وهكذا يوجدان في الواقع، إذ يصير كل 99m في جسم مريض تكنيشيوم 99 خلال يوم.
عنصر ما كان ينبغي أن يوجد
ليس للتكنيشيوم أي نظير مستقر. فالعنصر 43 يقع في وسط الجدول، محاطًا بفلزات عادية، وكل نويداته تضمحل.
والسبب في خصوصية بنيوية نووية تُعرف بقاعدة ماتاوخ: فالعنصر ذو عدد البروتونات الفردي المحشور بين جارين مستقرين لا يجد موضعًا يستقر فيه. والبروميثيوم، عند 61، هو الحالة الأخرى الوحيدة.
فبقيت خانة جدول مندليف فارغة سبعين سنة، وتبيّن أن كل الاكتشافات المعلنة خاطئة. وصنعه أخيرًا كارلو بيرييه وإميليو سيغريه عام 1937 بقصف الموليبدنوم بالديوترونات في بيركلي — أول عنصر يُنتَج اصطناعيًّا، وهو ما يسجّله اسمه.
⚠️ وثمة تكنيشيوم طبيعي قليل، متكوّن بالانشطار التلقائي لليورانيوم في الخامات، بتراكيز من رتبة النانوغرام لكل كيلوغرام. لا يكفي ليُكتشَف أولًا.
لماذا يناسب التصوير إلى هذا الحد
يبعث التكنيشيوم 99m شعاع غاما واحدًا عند 140 كيلو إلكترون فولت، ولا شيء غيره.
وكل جزء من ذلك مفيد. فالطاقة عالية بما يكفي للخروج من الجسم وبلوغ الكاميرا، ومنخفضة بما يكفي ليوقفها مُهدِّف فتعطي صورة حادة. ولا جسيم بيتا، فلا يمتص المريض جرعة من إشعاع لا تستطيع الكاميرا استعماله.
وعمر النصف البالغ ست ساعات يوافق يوم عمل. يكفي للتسليم والتحضير والحقن والفحص؛ وقصير بما يكفي لألّا يبقى منه شيء يُذكر في الغد.
⚠️ وكيمياء التكنيشيوم مرنة على نحو لافت. فهو يكوّن مركّبات مستقرة في عدة حالات أكسدة، فيمكن ربطه بجزيئات تقصد العظم أو الكلية أو عضلة القلب أو الرئة أو الدرقية. نظير واحد، وعشرات الفحوص المختلفة بحسب ما يُربط به.
البقرة في الخزانة
ست ساعات أقصر من أن تُشحن. فجرعة صُنعت في مفاعل يوم الاثنين ستزول قبل أن تبلغ مستشفى يوم الأربعاء.
والحل شحن الأب. فالموليبدنوم 99 عمر نصفه 66 ساعة ويتحول إلى تكنيشيوم 99m، فيظل مولّد — عمود ألومينا مدرّع مثبّت عليه الموليبدنوم — ينتج تكنيشيومًا طازجًا وهو على رفّه.
ويمرّر فنّي محلولًا ملحيًّا في العمود: فيخرج التكنيشيوم معه ويبقى الموليبدنوم. ويسمّى الجهاز بقرة والعملية حلبًا، ويستطيع مستشفى حلبه يوميًّا نحو أسبوع قبل استبداله.
⚠️ وأناقة الأمر أن الجزء الصعب يجري في مفاعل على بعد آلاف الكيلومترات وقبل أسابيع، بينما النظير الذي يبلغ المريض صُنع قبل ساعة في خزانة.
اعتماد شبه كامل
يُستحصل الموليبدنوم 99 بانشطار أهداف يورانيوم في مفاعل بحث. وطوال عقود زوّدت خمسة مفاعلات معظم العالم: NRU في كندا، وHFR في هولندا، وBR2 في بلجيكا، وOSIRIS في فرنسا، وSAFARI-1 في جنوب إفريقيا.
وكلها إلا واحدًا من الخمسينيات أو الستينيات.
وفي 2009 توقف NRU للإصلاح بعد اكتشاف تسرّب. وكان HFR متوقفًا أصلًا لصيانته. وكانا معًا يزوّدان أكثر من نصف العالم، ودام النقص إلى 2010.
فأُجّلت فحوص وأُلغيت في أوروبا وأمريكا الشمالية.
⚠️ والمنطقة العربية تشتري كل ما تستهلكه. فلا إنتاج تجاري إقليمي للموليبدنوم 99، وأقسام الطب النووي تستورد مولّداتها. والمغرب ومصر يملكان مفاعلي بحث قادرين مبدئيًّا على إنتاج نظائر طبية، وقد أُنتجت فيهما نظائر بعينها، لكن لا على مستوى يغطي الطلب الإقليمي.
وهو اعتماد تشاركه المنطقة مع معظم أوروبا، لكن ذلك لا يجعله أقلّ اكتمالًا.
ما يبقى بعد ذلك
يتحول التكنيشيوم 99m إلى تكنيشيوم 99، وعمر نصفه 211 ألف سنة.
وذلك لا يغيّر شيئًا بالنسبة إلى المريض — فالكمية ضئيلة وتُطرح في أيام. أما بالنسبة إلى إدارة النفايات فيغيّر. فالتكنيشيوم 99 من نواتج الانشطار الطويلة العمر الموجودة في الوقود المستهلَك وفي مخلّفات مصانع إعادة المعالجة، وهو متحرك في المياه الجوفية في صورته الكيميائية المعتادة.
⚠️ فالنظير شبه المثالي للطب يترك وراءه الذي يربك التخزين. والكميات الآتية من المستشفيات تافهة أمام كميات إعادة المعالجة، لكنها النويدة نفسها في الطرفين.